التضخم تصدر باستمرار قائمة أهم المخاوف الاقتصادية في أمريكا في السنوات الأخيرة، حيث أشار 62% من المستطلعين في استطلاع حديث إلى أنه مشكلة “كبيرة جدًا” — متفوقًا بشكل كبير على قضايا الرعاية الصحية، وتغير المناخ، والبطالة في قلق الجمهور. ومع ذلك، فإن حدة هذا التحدي تختلف بشكل كبير اعتمادًا على الحقبة التي تنظر إليها. فهم كيف شكل التضخم في عهد كارتر السياسات والاستجابات عبر الإدارات اللاحقة يكشف دروسًا مهمة حول إدارة الاقتصاد.
عندما تصاعد التضخم: العاصفة المثالية في عهد كارتر
ورث جيمي كارتر وضعًا اقتصاديًا متدهورًا عندما تولى الرئاسة في عام 1977. شهدت فترة رئاسته أعلى معدل تضخم متوسط في التاريخ الأمريكي الحديث عند 9.9% — رقم مذهل يفوق تقريبًا مدة أي زعيم آخر. ما جعل التضخم في عهد كارتر مدمرًا لم يكن مجرد عامل واحد، بل تزامن أزمات متعددة.
أدى حظر النفط الذي فرضته أوبك في عام 1979 إلى حدوث صدمات طاقوية فورية انتشرت عبر جميع قطاعات الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، كانت البلاد تعاني من الركود التضخمي — مزيج سام من النمو الاقتصادي الراكد وارتفاع الأسعار — وهو أثر خلفه إدارات نيكسون وفورد السابقة. تآكلت ثقة الجمهور في المؤسسات الحكومية، مما زاد من ضعف الاستقرار الاقتصادي. وعلى الساحة العالمية، كانت ضغوط التضخم تضرب اقتصادات متقدمة أخرى، مما خلق عاصفة اقتصادية مثالية لم تستطع إدارة واحدة تحملها بمفردها.
بحلول الوقت الذي غادر فيه كارتر الرئاسة، كان الأمريكيون يواجهون زيادات مستمرة في الأسعار ذات خانتين، وإحباط متزايد، وإحساسًا بأن الأدوات التقليدية للسياسة قد فشلت. وأصبح هذا العصر عبرة تحذيرية عن حدود التدخل الحكومي في الاقتصاد.
الاستجابات السياسية: من تجميد الأجور في نيكسون إلى الإصلاح الهيكلي في ريغان
لفهم معاناة كارتر، فإن دراسة الإدارات المحيطة تضيء لماذا كان السيطرة على التضخم أمرًا صعبًا للغاية. حاول ريتشارد نيكسون، الذي واجه ضغوط تضخمية بمعدل (5.7%)، تدخلاً جذريًا: تجميد الأجور والأسعار لمدة 90 يومًا في عام 1971. وعلى الرغم من فعاليته في البداية، إلا أن هذا الأسلوب المؤقت فشل في النهاية — إذ عادت الأسعار للارتفاع بشكل حاد بمجرد رفع القيود.
حاول جيرالد فورد بأسلوب مختلف مع برنامجه “مكافحة التضخم الآن” الذي أطلقه في عام 1974، مع التركيز على العمل الطوعي من قبل الشركات والمستهلكين. لكن الصدمات الخارجية مثل حظر النفط في عام 1973 غلبت على مبادرته، مما تركه بمعدل تضخم متوسط قدره 8.0% واقتصاد في أزمة.
عندما وصل رونالد ريغان إلى السلطة في عام 1981، وكان لديه تفويض لكسر ظهر التضخم، نفذ تغييرات هيكلية بدلاً من فرض قيود على الأسعار. أثبتت سياسات ريغان — التي جمعت بين تخفيض الضرائب، وتقليل الإنفاق الاجتماعي، وإلغاء القيود، وسياسات نقدية مشددة — أنها محولّة. من تضخم مدمر بلغ 13.5% في 1980، انخفض المعدل إلى 4.1% بحلول 1988. وكان متوسط معدل التضخم خلال فترة ريغان 4.6%، وهو تصحيح حقيقي مقارنة بأعلى مستوى 9.9% في عهد كارتر.
التباين: فترات مستقرة قبل الارتفاع الأخير
أظهرت العقود التي تلت عهد ريغان أن التضخم المنخفض المستدام كان ممكنًا تحت ظروف مختلفة. حيث شهد بيل كلينتون معدل تضخم متوسط قدره 2.6% خلال فترة هادئة نسبيًا من النمو الاقتصادي. ورأى جورج دبليو بوش استقرارًا مماثلاً (2.8%)، رغم أن فترته كانت متقطعة بهجمات 11 سبتمبر والركود العظيم في 2008، وكلاهما خفض التضخم بشكل غير متوقع من خلال الانكماش الاقتصادي.
ورث باراك أوباما ظروفًا من حقبة الكساد، وعلى الرغم من أن الأسعار تجاوزت الأجور في فترته الأولى، إلا أن متوسط التضخم بقي معتدلًا عند 1.4%. كما أن جهود التحفيز الضريبية المبكرة لدونالد ترامب (2017-2021) حافظت على معدل تضخم عند 1.9% حتى جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى إجراءات استجابة مالية غير مسبوقة.
الفصل الحالي: عودة التضخم
واجهت رئاسة جو بايدن تصاعدًا في الضغوط التضخمية، حيث بلغ المتوسط 5.7% — رقم يذكرنا بالتحدي الذي واجهه نيكسون. ومع ذلك، فإن المصادر مختلفة: فاضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالجائحة وتكاليف الطاقة المرتبطة بالنزاعات الجيوسياسية في أوكرانيا أدت إلى الزيادات الأخيرة في الأسعار، وليس التضخم الناتج عن السياسات الهيكلية الذي ميز عهد كارتر.
بلغ الذروة عند 9% في عام 2022 خلال فترة بايدن، وهو أعلى مستوى للتضخم خلال أربعة عقود، لكن المسار تحسن ليقترب من 3% بحلول 2024. وهذا يشير إلى أن التضخم الحديث، رغم خطورته، قد يستجيب لآليات تصحيح مختلفة عن تلك التي كانت مطلوبة في السبعينيات.
الدرس الأعمق: تأثير الرئاسة محدود
على الرغم من أن الرؤساء يمتلكون قوة كبيرة من خلال السياسات الضريبية، وقرارات الإنفاق، والاختيارات التنظيمية، فإن النتائج الاقتصادية الكلية نادرًا ما تعتمد على القيادة وحدها. الصدمات الخارجية — حروب، حظر نفط، أوبئة، كوارث طبيعية — يمكن أن تعرقل حتى أنجح الخطط. يظهر التباين بين التضخم في عهد كارتر والفترات التالية أن النتائج الاقتصادية تعكس تصادم قرارات السياسات مع ظروف تتجاوز سيطرة أي زعيم بمفرده.
من معدل إيزنهاور المحافظ البالغ 1.4% إلى مستوى كارتر غير المسبوق عند 9.9%، لم يتبع التضخم الأمريكي مسارًا بسيطًا. بل يعكس التفاعل المعقد بين الظروف العالمية، وردود الفعل النقدية، وأحيانًا سوء الحظ في التوقيت. فهم هذا التاريخ يُعطي تواضعًا بشأن قدرة أي إدارة على إدارة التضخم — واحترامًا حقيقيًا لصعوبة المهمة.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
أزمة التضخم من خلال القيادة الأمريكية: من ذروة كارتر إلى التحديات النقدية الحديثة
التضخم تصدر باستمرار قائمة أهم المخاوف الاقتصادية في أمريكا في السنوات الأخيرة، حيث أشار 62% من المستطلعين في استطلاع حديث إلى أنه مشكلة “كبيرة جدًا” — متفوقًا بشكل كبير على قضايا الرعاية الصحية، وتغير المناخ، والبطالة في قلق الجمهور. ومع ذلك، فإن حدة هذا التحدي تختلف بشكل كبير اعتمادًا على الحقبة التي تنظر إليها. فهم كيف شكل التضخم في عهد كارتر السياسات والاستجابات عبر الإدارات اللاحقة يكشف دروسًا مهمة حول إدارة الاقتصاد.
عندما تصاعد التضخم: العاصفة المثالية في عهد كارتر
ورث جيمي كارتر وضعًا اقتصاديًا متدهورًا عندما تولى الرئاسة في عام 1977. شهدت فترة رئاسته أعلى معدل تضخم متوسط في التاريخ الأمريكي الحديث عند 9.9% — رقم مذهل يفوق تقريبًا مدة أي زعيم آخر. ما جعل التضخم في عهد كارتر مدمرًا لم يكن مجرد عامل واحد، بل تزامن أزمات متعددة.
أدى حظر النفط الذي فرضته أوبك في عام 1979 إلى حدوث صدمات طاقوية فورية انتشرت عبر جميع قطاعات الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، كانت البلاد تعاني من الركود التضخمي — مزيج سام من النمو الاقتصادي الراكد وارتفاع الأسعار — وهو أثر خلفه إدارات نيكسون وفورد السابقة. تآكلت ثقة الجمهور في المؤسسات الحكومية، مما زاد من ضعف الاستقرار الاقتصادي. وعلى الساحة العالمية، كانت ضغوط التضخم تضرب اقتصادات متقدمة أخرى، مما خلق عاصفة اقتصادية مثالية لم تستطع إدارة واحدة تحملها بمفردها.
بحلول الوقت الذي غادر فيه كارتر الرئاسة، كان الأمريكيون يواجهون زيادات مستمرة في الأسعار ذات خانتين، وإحباط متزايد، وإحساسًا بأن الأدوات التقليدية للسياسة قد فشلت. وأصبح هذا العصر عبرة تحذيرية عن حدود التدخل الحكومي في الاقتصاد.
الاستجابات السياسية: من تجميد الأجور في نيكسون إلى الإصلاح الهيكلي في ريغان
لفهم معاناة كارتر، فإن دراسة الإدارات المحيطة تضيء لماذا كان السيطرة على التضخم أمرًا صعبًا للغاية. حاول ريتشارد نيكسون، الذي واجه ضغوط تضخمية بمعدل (5.7%)، تدخلاً جذريًا: تجميد الأجور والأسعار لمدة 90 يومًا في عام 1971. وعلى الرغم من فعاليته في البداية، إلا أن هذا الأسلوب المؤقت فشل في النهاية — إذ عادت الأسعار للارتفاع بشكل حاد بمجرد رفع القيود.
حاول جيرالد فورد بأسلوب مختلف مع برنامجه “مكافحة التضخم الآن” الذي أطلقه في عام 1974، مع التركيز على العمل الطوعي من قبل الشركات والمستهلكين. لكن الصدمات الخارجية مثل حظر النفط في عام 1973 غلبت على مبادرته، مما تركه بمعدل تضخم متوسط قدره 8.0% واقتصاد في أزمة.
عندما وصل رونالد ريغان إلى السلطة في عام 1981، وكان لديه تفويض لكسر ظهر التضخم، نفذ تغييرات هيكلية بدلاً من فرض قيود على الأسعار. أثبتت سياسات ريغان — التي جمعت بين تخفيض الضرائب، وتقليل الإنفاق الاجتماعي، وإلغاء القيود، وسياسات نقدية مشددة — أنها محولّة. من تضخم مدمر بلغ 13.5% في 1980، انخفض المعدل إلى 4.1% بحلول 1988. وكان متوسط معدل التضخم خلال فترة ريغان 4.6%، وهو تصحيح حقيقي مقارنة بأعلى مستوى 9.9% في عهد كارتر.
التباين: فترات مستقرة قبل الارتفاع الأخير
أظهرت العقود التي تلت عهد ريغان أن التضخم المنخفض المستدام كان ممكنًا تحت ظروف مختلفة. حيث شهد بيل كلينتون معدل تضخم متوسط قدره 2.6% خلال فترة هادئة نسبيًا من النمو الاقتصادي. ورأى جورج دبليو بوش استقرارًا مماثلاً (2.8%)، رغم أن فترته كانت متقطعة بهجمات 11 سبتمبر والركود العظيم في 2008، وكلاهما خفض التضخم بشكل غير متوقع من خلال الانكماش الاقتصادي.
ورث باراك أوباما ظروفًا من حقبة الكساد، وعلى الرغم من أن الأسعار تجاوزت الأجور في فترته الأولى، إلا أن متوسط التضخم بقي معتدلًا عند 1.4%. كما أن جهود التحفيز الضريبية المبكرة لدونالد ترامب (2017-2021) حافظت على معدل تضخم عند 1.9% حتى جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى إجراءات استجابة مالية غير مسبوقة.
الفصل الحالي: عودة التضخم
واجهت رئاسة جو بايدن تصاعدًا في الضغوط التضخمية، حيث بلغ المتوسط 5.7% — رقم يذكرنا بالتحدي الذي واجهه نيكسون. ومع ذلك، فإن المصادر مختلفة: فاضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالجائحة وتكاليف الطاقة المرتبطة بالنزاعات الجيوسياسية في أوكرانيا أدت إلى الزيادات الأخيرة في الأسعار، وليس التضخم الناتج عن السياسات الهيكلية الذي ميز عهد كارتر.
بلغ الذروة عند 9% في عام 2022 خلال فترة بايدن، وهو أعلى مستوى للتضخم خلال أربعة عقود، لكن المسار تحسن ليقترب من 3% بحلول 2024. وهذا يشير إلى أن التضخم الحديث، رغم خطورته، قد يستجيب لآليات تصحيح مختلفة عن تلك التي كانت مطلوبة في السبعينيات.
الدرس الأعمق: تأثير الرئاسة محدود
على الرغم من أن الرؤساء يمتلكون قوة كبيرة من خلال السياسات الضريبية، وقرارات الإنفاق، والاختيارات التنظيمية، فإن النتائج الاقتصادية الكلية نادرًا ما تعتمد على القيادة وحدها. الصدمات الخارجية — حروب، حظر نفط، أوبئة، كوارث طبيعية — يمكن أن تعرقل حتى أنجح الخطط. يظهر التباين بين التضخم في عهد كارتر والفترات التالية أن النتائج الاقتصادية تعكس تصادم قرارات السياسات مع ظروف تتجاوز سيطرة أي زعيم بمفرده.
من معدل إيزنهاور المحافظ البالغ 1.4% إلى مستوى كارتر غير المسبوق عند 9.9%، لم يتبع التضخم الأمريكي مسارًا بسيطًا. بل يعكس التفاعل المعقد بين الظروف العالمية، وردود الفعل النقدية، وأحيانًا سوء الحظ في التوقيت. فهم هذا التاريخ يُعطي تواضعًا بشأن قدرة أي إدارة على إدارة التضخم — واحترامًا حقيقيًا لصعوبة المهمة.