رئيس الوزراء البريطاني ستارمر يجمّد التبرعات المشفرة للأحزاب، وتقرير Rycroft يحذر من مخاطر غسيل الأموال والتدخل الأجنبي، وتصبح التبرعات التي حصلت عليها حزب الإصلاح البريطاني محور النقاش.
وفقًا لتقرير BBC، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كيير ستارمر في 25 مارس أن الحكومة ستبدأ فورًا في تجميد التبرعات بالعملات المشفرة للأحزاب السياسية. جاء هذا القرار استنادًا إلى تقرير مراجعة مستقل بقيادة الموظف الحكومي السابق فيليب ريكروفت. وأشار التقرير إلى أن الأصول المشفرة، نظرًا لارتفاع مستوى إخفاء الهوية وعدم اكتمال الإطار التنظيمي، أصبحت قناة محتملة لتدخل القوى الأجنبية في العملية الديمقراطية البريطانية، ونقل الأموال غير القانونية.
أكد ستارمر خلال جلسة الأسئلة والأجوبة أن الحكومة يجب أن تتخذ إجراءات حاسمة لحماية النظام الديمقراطي الوطني، ولمنع التهديدات المالية غير المشروعة. وقد تم إدراج هذا الحظر حاليًا ضمن مشروع قانون تمثيل الشعب (Representation of the People Bill) الجاري مناقشته في البرلمان.
وبحسب نتائج مراجعة Rycroft، فإن تتبع “الملكية النهائية” للأصول المشفرة يواجه صعوبات كبيرة، مما يتيح للأموال الأجنبية أن تتجنب الرقابة على التبرعات السياسية عبر الأصول الرقمية. الثغرات الحالية في النظام تسمح بالتبرعات التي تقل عن 500 جنيه إسترليني (حوالي 669 دولارًا) بعدم خضوعها لاختبارات التصريح الصارمة، كما أن خصائص العملات المشفرة تتيح للمُتبرعين تقسيم مبالغ كبيرة إلى العديد من التحويلات الصغيرة لتجنب متطلبات الإبلاغ. ويشمل هذا الحظر المؤقت أي تبرعات مشفرة مهما كان حجمها، ويبدأ سريانه فور الإعلان، مع فترة سماح مدتها 30 يومًا بعد إقرار القانون، يُطلب خلالها من الأحزاب إعادة الأموال المشفرة التي تلقتها، وإلا ستواجه عقوبات جنائية.
وأوضح ريكروفت في التقرير أن الاقتراح الحكومي بتطبيق وقف مؤقت (Moratorium) هو إجراء مؤقت يهدف إلى منح الجهات التنظيمية وقتًا لإنشاء آلية مراجعة تتوافق مع تقنيات التشفير، وليس خطة دائمة للحظر. ويعتقد أنه في ظل غياب الشفافية ووسائل التتبع الفعالة، فإن السماح بالتبرعات المشفرة يشكل خطرًا غير مقبول على النظام الديمقراطي. وإذا رغبوا في إعادة تفعيل التبرعات السياسية المشفرة مستقبلًا، فسيكون ذلك تحت إشراف صارم من لجنة الانتخابات (Electoral Commission)، ويقتصر على عمليات عبر بورصات العملات المشفرة الخاضعة للرقابة البريطانية لضمان إمكانية التحقق من مصادر الأموال.
بالإضافة إلى القيود على العملات المشفرة، اقترح التقرير تدابير دفاعية أكثر صرامة ضد التبرعات الخارجية. واقترح أن يكون الحد الأقصى للتبرعات من المواطنين البريطانيين المقيمين في الخارج، الذين لا يزالون يملكون حق التصويت، بين 100 ألف و300 ألف جنيه إسترليني سنويًا. حاليًا، تسمح قوانين المملكة المتحدة للأفراد المدرجين في سجل الناخبين بالتبرع بدون حد أقصى، ويعتقد ريكروفت أن ذلك يوفر ثغرة محتملة للقوى الخارجية. كما أن هذا المقترح يتماشى مع دعوات سابقة من اللجنة المشتركة للاستراتيجية الأمنية الوطنية، التي طالبت بوقف جميع التبرعات بالعملات المشفرة حتى إصدار إرشادات رسمية من لجنة الانتخابات.
مع إعلان الحظر، أصبح حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج محورًا للجدل. وهو الحزب البريطاني الأول الذي أعلن قبوله تبرعات بالبيتكوين ($BTC).
وتشير السجلات إلى أن الحزب تلقى خلال الربع الثالث من عام 2025 تبرعات بقيمة تصل إلى 12 مليون دولار من المستثمر في العملات المشفرة كريستوفر هاربورن، ثم حصل في الربع الرابع على استثمار بقيمة 4 ملايين دولار. وعلى الرغم من أن هذه التبرعات تتوافق مع القانون حاليًا، إلا أن مصدر الأموال أثار شكوكًا من قبل الرأي العام، مما أدى إلى مناقشات حادة في البرلمان حول التمويل السياسي عبر الحدود.
المصدر: Politico، صورة لقائد حزب الإصلاح البريطاني نايجل فاراج
خلال فترة إعلان ستارمر عن الحظر، خرج أعضاء حزب الإصلاح البريطاني بشكل جماعي من قاعة البرلمان احتجاجًا. وفي المقابل، هاجم ستارمر علنًا فاراج داخل قاعة البرلمان، واتهمه بإصدار تصريحات تفرّق المجتمع بهدف الحصول على مكافآت. وحتى الآن، لم تُبلغ الأحزاب السياسية للجنة الانتخابات عن أي تبرعات مشفرة وصلت إلى الحد القانوني المطلوب للإفصاح، وهو ما يعكس مخاوف تقرير Rycroft بشأن الأموال غير الظاهرة. ومع تغير استطلاعات الرأي التي تظهر تذبذب دعم حزب الإصلاح، يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من الحزب الحاكم لمنع خصومه من استغلال التكنولوجيا الحديثة في جمع التمويل على نطاق واسع قبل الانتخابات القادمة.
في مواجهة التهديدات المتزايدة من التدخل الأجنبي، يقترح ريكروفت إنشاء وحدة شرطة خاصة للتحقيق في التدخل الأجنبي في السياسة. كما ينصح بتخفيف متطلبات إثبات الجرائم المتعلقة بالتدخل، وزيادة العقوبات على الأحزاب والأفراد المخالفين. ويعد هذا الحظر على التبرعات السياسية جزءًا من إطار تنظيم العملات المشفرة الأوسع في بريطانيا، حيث تعمل الحكومة على تحسين التشريعات الخاصة بالعملات المستقرة، ومنصات التداول، وخدمات الحفظ. ومع انتشار الأصول الرقمية، تعتبر الحكومة أن المدفوعات الرقمية المجهولة تشكل خطرًا على الديمقراطية، وليس فقط على القطاع المالي.
ورغم مخاوف المجتمع الرقمي وبعض الأحزاب المعارضة من أن هذا الحظر قد يعيق تحول بريطانيا إلى مركز عالمي للعملات المشفرة، إلا أن الحكومة تظل متمسكة بموقفها الصارم. وترى أن حماية نزاهة العملية الديمقراطية أهم من الابتكار المالي. وتعكس هذه المعركة بين العملات المشفرة والتبرعات السياسية والأمن القومي تحولًا في مواقف الحكومات، التي انتقلت من مجرد الاعتبارات الاقتصادية إلى قضايا أعمق تتعلق بالحكم والسيادة. ومع تطور البيئة التنظيمية بسرعة بحلول عام 2026، ستظل بريطانيا توازن بين منع التدخل الأجنبي والحفاظ على سوق نشط، وهو ما سيجذب اهتمام الهيئات التنظيمية العالمية.